مرکز مطالعات شيعه
ArticleID PicAddress Subject Date
{ArticleID}
{Header}
{Subject}

{Comment}

 {StringDate}
Monday 18 November 2019 - الإثنين 21 ربيع الأول 1441 - دوشنبه 27 8 1398
 
 
 
 
 
 
 
  • اعلمیة المرجع  
  • 1438-02-29 20:2:31  
  • المشاهدون : 38   
  • ارسل الى صديق
  •  
  •  
  • اعلمیة المرجع
    من الطبیعی ـ أولاً ـ ان تُناقش الفکرة التی تحتفظ بالاعلمیة نفسها، ولکن تناقش فی مفهومها، ولها الحقّ فی هذا النقاش بملاحظة عدم ورود تعریف خاصّ لها من الشریعة. بل عدم وجود مفهوم واضح عن الاعلمیة لدى العلماء الذین سبقوا الشیخ الانصاری((رحمه الله)) المتوفى عام 1281هـ .
    فهی ـ اذن ـ مسألة عرفیّة عقلائیة فی مفهومها بلا ریب، وبالرجوع الى ادلّتها نجدها ـ أیضاً ـ تعتمد غایة ما تعتمد على البناء العقلائی، حیث ذکر انّ الشریعة أوکلت الأمر إلى هذا البناء والسیرة العقلائیة وصدّقتها.
    وسنرى فیما بعد انّ السیرة لا تنسجم مع هذه الفکرة بالشکل المطروح، بل اننا نعتقد جازمین بأنّ الشریعة لا یمکن ان تترک هذا الامر الخطیر الذی یلازم حیاة کلّ فرد ـ وفی جمیع سلوکیّاته ـ إلى مسألة بناء العقلاء، وخصوصاً فی جوٍّ تسود فیه سیرة مخالفة لدى عموم المسلمین بالرجوع إلى أیّ من المجتهدین المطّلعین دونما ملاحظة لمسألة الاعلمیة، وهذا ما سیبدو فی القسم التالی من هذه الدراسة ان شاء الله تعالى.
    هذه بعض الآراء التی یمکن ان تُطرح فـی مجال المرجعیة، دفعتنا لطرحها الغیرة على القضیّة الاسلامیة لا غیـر، ومن هنا فمن الطبیعی ان تکون محلاًّ للأخذ والردّ والمناقشة من قبـل العلماء والمحقّقین، عسى ان نصل فی النهایة إلى الحلّ الامثل واللـه تعالـى ولـیّ التوفیق.
    الاجتهاد والتقلید ومعرفة التشریع
    انّ الاجتهاد، اذا فسّرناه بعملیة استفراغ الوسع لاستنباط الاحکام الشرعیة أو الوظائف العملیة (شرعیة أو عقلیة) من أدلّتها التفصیلیة، أو انّه عملیة إرجاع الفروع إلى الاصول المعتمدة شرعاً، أو ما یقرب من هذه المعانی، دونما نظر إلى الاجتهاد بمعنى العمل بالآراء الظنیّة غیر المعتبرة، إذا فسّرناه بذلک فإنا لا نجدنا بحاجة الى الحدیث مفصّلاً عن لزومه ـ باستمرار ـ بعد وضوح قیام الشریعة بوضعه انسجاماً مع خلودها.
    والاجتهاد واجب کفائیّ ـ بلا ریب ـ حفاظاً على أحکام الاسلام من الاندراس والضیاع، حیث حثّت الشریعة علـى تحصیـل العلـوم الشرعیـة، قال تعالـى: )فولا نفـر مـن کـلّ فرقـة منهـم طائفـة لیتفقهوا فی الدین ولینذروا قومهم اذا رجعوا الیهم لعلهم یحذرون(1).
    والآیة واضحة فی الوجوب الکفائی للاجتهاد، دون العینی منه ـ وهو ما نسب إلى علماء حلب ـ بالاضافة إلى ما فی الواجب العینی من عسر عظیم، وکذلک قیام السیرة فی الرجوع إلى فتوى الاصحاب والرواة.
    أمّا التقلید فجوازه لغیر المجتهدین یکاد یکون بدیهة، حتى عبّر صاحب «کفایة الاصول» انّها حالة فطریة جبلّیة(2). وقد قامت علیه السیرة العقلائیة. وهذه هی حالة المجتمعات فی صدر الاسلام، مما یحقّق الامضاء الشرعی لهذه الحالة، وهناک أدلّة من النصوص القرآنیة والنبویة على ذلک.
    عدم جواز رجوع المجتهد إلى رأی غیره

    وإذا حصل الباحث على رتبة الاجتهاد، لم یجز له الرجوع إلى غیره، وذلک لما أفاده الشیخ الانصاری((رضی الله عنه)) فی رسالته الموضوعة فی الاجتهاد والتقلید، من دعوى الاتفاق على عدم الجواز، لانصراف الاطلاقات الدالّة على جواز التقلید عمّن له ملکة الاجتهاد واختصاصها بمن لا یتمکن من تحصیلها.
    وقد فصّل المحقق القمی صاحب «القوانین»، بین القادر على إعمال الملکة وغیر القادر، فأجاز للثانی ان یقلّد غیره فقال: «ودلیل المانع (للمجتهد من التقلید مطلقاً) وجوب العمل بظنّه إذا کان له طریق إلیه إجماعاً، خرج العامی بالدلیل وبقی الباقی، وفیه منع الاجماع فیما نحن فیه، ومنع التمکّن من الظن مع ضیق الوقت، فظهر انّ الاقوى الجواز مع التضییق، واختصاص الحکم به»(3). ویقول السید الخوئی((رضی الله عنه)) معلّقاً على کلام المرحوم الشیخ الانصاری((رضی الله عنه)): «وما أفاده ((قدس سره)) هو الصحیح، وذلک لأنّ الاحکام الواقعیة قد تنجزّت على من له ملکة الاجتهاد بالعلم الاجمالی، أو بقیام الحجج والامارات علیها فی محلّها، وهو یتمکن من تحصیلها بتلک الطرق، اذاً لا بدّ له من الخروج من عهدة التکالیف المتنجّزة فی حقّه، ولا یکفی فی ذلک ان یقلّد الغیر، إذ لا یترتب علیه الجزم بالامتثال»(4).
    والظاهر انّ بناء العقلاء فی مجال رجوع الجاهل إلى العالم یشمل حالة المجتهد الذی یمنعه مانع من الاستنباط، کضیق الوقت وغیره. ویتجلّى هذا بشکل أکثر وضوحاً فیما لو افترضنا وجود مساحة کبرى لم یستطع استنباطها بعد.
    اعتبار الاعلمیة فی المُقلَّد
    والمراد بالأعلمیة هو ان یکون صاحبها أقوى ملکة من غیره فی مجالات الاستنباط(5)، ولیس المعیار کثرة الاستنباط أو قلّته، وربما توسّع البعض فی هذه المَلَکَة فجعلها تعنی القدرة على استنباط المدقق الاسلامی من کلّ القضایا الحیاتیة، وهذا الشرط هو المشهور بین علماء الشیعة وخصوصاً فی العصور الاخیرة(6). وهو مذهب أحمد وابن سریج والقفّال من أصحاب الشافعی وجماعة من الاصولیین، وقد اختاره الغزالی(7)، کما نُقل عن محمد بن الحسن(8)، وقد ذهب جماعة من علماء الامامیة ممن تأخّر عن الشهید الثانی الى عدم الاشتراط(9). ولیس لنا فی هذا المجال إلاّ الاشارة إلى بعض الأدلّة الواردة فی المقام، ویترک البحث المفصل إلى محلّه.
    وقد استدلّ لعدم اشتراط الرجوع إلى الاعلم حتى فی حالة العلم بالخلاف بینه وبین غیره، بوجوه:
    منها: التمسّک باطلاق الأدلّة الواردة فی جواز الرجوع إلى الفقیه، کاطلاق آیات النفر والسؤال والکتمان والروایات، بل قد یقال; انّ الغالب فیمن کان الناس یرجعون إلیهم عدم الأعلمیة مع العلم باختلاف الفتاوى، بل شکّل هذا سیرة عامة عبر القرون، منذ صدر الاسلام لدى المسلمین جمیعاً، ولیس هناک نهی عن هذه السیرة التی یمکن ان تعتبر دلیلاً مستقلاًّ. وتشهد مشهورة ابن خدیجة على جواز الرجوع إلى من یعلم شیئاً من قضایاهم((علیهم السلام))(10). وروایات الإرجاع کثیرة رغم اختلافهم فی الاعلمیة.
    ومنها: ان هذا الامر متعسّر جداً اذا توسّعنا فی تفسیر الأعلم، فجعلناه یشمل الأعلم بکلّ التصوّرات الاسلامیة والاحکام وموضوعاتها فی کلّ القضایا الحیاتیة.
    وقد اثبتت العصور عسر هذا الامر، ولذا انتقلت الحوزات الى الأصلح تقریباً.
    ومنها: بناء العقلاء على الرجوع للعالم وعدم اشتراطهم الأعلمیة.
    ومنها: تطابق الصحابة وإجماعهم على ذلک.
    وقد نوقش فی هذه الادلة:
    أما الاول: فلأنّ محلّ الکلام هو ما لو علم بالمخالفة بین العالم والأعلم، فروایات الارجاع مثلاً ـ کما یقول الشیخ الانصاری ـ «محمولة على صورة عدم العلم بالاختلاف بل اعتقاد الاتفاق»(11). ونحن لا نعلم أنّ الرجوع کان فی هذه الصورة لتکون الروایات نصّاً فی ذلک، فلا یبقى إلاّ الاطلاق، والاطلاق لا یشمل المتعارضین، لأنّ شموله لهما یستلزم الجمع بین الضدّین أو النقیضین. ولا مجال للقول بالتخییر، باعتبار انّ رفع الید عن اطلاق الدلیلیـن المتعارضین أولى من رفع الید عن أصلیهما، وذلک انّ الدلیلین هنـا ـ کما یقـول السیـد الخوئـی((رضی الله عنه)) ـ لیس لهما نصّ ظاهر، بل دلالتهما بالظهور والاطلاق، فلا مناص من الحکم بتساقطهما، بعد ان لم یمکن الجمع العرفی بینهما.
    وقد نوقشت الأدلّة الباقیـة بإنکارها.
    الاستدلال لوجوب الرجوع الى الأعلم
    وقد استدلّ لوجوب الرجوع إلى الأعلم بأدلة منها:
    الدلیل الاول: انّ مشروعیة التقلید انّما تمّ إثباتها بالکتاب والسنّة أو بالسیرة. أما المطلقات الشرعیة فهی لا تشمل المتعارضین (وهو موردنا، اذ نتحدث فی حالة ما اذا علمنا بالتنافی بین فتوى العالم وفتوى الاعلم).
    وأمّا السیرة العقلائیة فهی تجری على الرجوع الى الأعلم عند العلم بالمخالفة، وهی ممضاة، وإذا سقطت فتوى غیر الاعلم عن الحجیة تعین الرجوع إلى الاعلم، بعد ان علمنا بعدم وجوب الاحتیاط، لأنّه غیر میسور.
    وأما السیرة العقلائیة فهی تجری على الرجوع الى الاعلم، إلاّ عند العلم بالمخالفة، وهذه السیرة ممضاة، وقد اعتمد المرحوم السید الخوئی هذا الوجه وحده على الظاهر.
    وربما یناقش فی هذا الاستدلال بما سنذکره عند طرح مسألة التبعیض، من أنـّه یمکن تصوّر شمول الاطلاقات للفتویین المتعارضتین. على انّنا لا نعلم بوجود سیرة عقلائیة ممضاة فی هذا المجال، بعد أن وجدنا العقلاء یرجعون إلى المتخصّصین، خصوصاً المتقاربین منهم، مع علمهم إجمالاً بوجود تخالف بینهم وبین من هم اشد منهم تخصصاً، لاعتبارات منها موضوع التسهیل من جهة والاحتمال العقلائی بمطابقة الواقع، وان کانوا یرجحون ذلک .
    وبتعبیر آخر، لیس هناک علم بالالزام العقلائی بالرجوع إلى الأعلم مع کون الطرف الآخر حائزاً للشروط المطلوبة(12). ونحن نتحدث فی مجال تشریعی، علم فیه أنّ الاجتهاد هو طریق شرعی مقبول، وهو متوافر فی کلیهما حسب الفرض، فلا معنى لتشبیه المورد بمجالات التردّد الفردی بین المتخصّصین فی الامور الخطیرة، کما نراه عادة فی کتابات العلماء. على انّنا لا نعلم بالامضاء الشرعی، وخصوصاً إذا لاحظنا هذه السیرة المتشرّعیة العامة فی الرجوع إلى الصحابة أیٍّ منهم، أو الرجوع الى العلماء من أتباع الأئمة((علیهم السلام))، دونما نکیر ودونما منع معتبر من مثل هذه الظاهرة المتّسعة فی عرض الزمان وطوله(13)، بل کان الأئمة((علیهم السلام)) یُرجِعون إلى العلماء دونما اشتراط للأعلمیة (14).
    على ان مسألة العسر تبدو صحتها یوما بعد یوم، خصوصا مع افتراض سعة المساحة الاسلامیة وتکاثر العلماء الى حد کبیر، والاسلام ینظر للامور بنظرته العامة الشاملة. وذلک یتضح بالخصوص اذا لاحظنا التصویر الذی نقلناه عن صاحب العروة حول الاعلمیة. أو جعلناها تشمل کل المواقف الاسلامیة من الحیاة.
    ومن المناسب ان ننقل ما ذکره العلاّمة الکبیر الشیخ محمد حسن النجفی فی هذا الصدد، إذ یقول: «إنّما الکلام فی نواب الغیبة، بالنسبة إلى المرافعة إلى المفضول منهم وتقلیده، مع العلم بالخلاف وعدمه، والظاهر الجواز لإطلاق أدلة النصب المقتضی حجّیة الجمیع على جمیع الناس، وللسیرة المستمرة فی الافتاء والاستفتاء منهم، مع تفاوتهم فی الفضیلة ودعوى الرجحان بظنّ الأفضل یدفعها». مع إمکان منعها فی کثیر من الافراد المنجبر نظر المفضول فیها فی زمانه بالموافقة للافضل فی الازمنة السابقة وبغیرها انّه لا دلیل عقلاً ونقلاً فی وجوب العمل بهذا الرجحان فی خصوص المسألة، إذ لعل الرجحان فی أصل شرعیّة الرجوع إلى المفضول، وان کان الظن فی خصوص المسالة بفتوى الفاضل أقوى نحو شهادة العدلین.
    ومع فرض عدم المانع فی تقلید المفضول ـ عقلاً ـ فاطلاق أدلّة النصب بحاله، ونفوذ حکمه فی خصوص الواقعة یستلزم حجیّة ظنه فی کلیهما، وانّه من الحق والقسط والعدل وما أنزل الله، فیجوز الرجوع إلیه تقلیداً أیضاً.
    بل لعلّ تأهلّ المفضول وکونه منصوباً یجری على قبضه وولایته مجرى قبض الأفضل، من القطعیّات، التی لا ینبغی الوسوسة فیها، خصوصاً بعد ملاحظة نصوص النصب الظاهرة فی نصب الجمیع الموصوفین بالوصف المزبور، لا الأفضل منهم، وإلاّ وجب القول: انظروا إلى الأفضل منکم لا «رجل منکم» کما هو واضح بأدنى تأمّل.
    ومن ذلک یُعلم، انّ نصوص الترجیح أجنبیة عمّا نحن فیه من المرافعة ابتداءً أو التقلید لذلک مع العلم بالخلاف وعدمه، ومن الغریب اعتماد الاصحاب علیها فی إثبات هذا المطلب، حتى انّ بعضاً منهم جعل مقتضاها ذلک، مع العلم بالخلاف الذی عن جماعة دعوى الاجماع على تقدیمه حینئذ لا مطلقاً، فجنح إلى التفصیل فی المسألة بذلک.
    وأغرب من ذلک الاستناد إلى الاجماع المحکی عن المرتضى فی ظاهر الذریعة، والمحقق الثانی فی صریح حواشی الجهاد من الشرائع، على وجوب الترافع ابتداءً إلى الأفضل وتقلیده، بل ربما ظهر من بعضهم انّ المفضول لا ولایة له أصلاً مع وجود الأفضل ضرورة عدم إجماع نافع فی أمثال هذه المسائل، بل لعلّه العکس، فإنّ الأئمة((علیهم السلام)) مع وجودهم کانوا یأمرون الناس بالرجوع الى أصحابهم، من زرارة ومحمد بن مسلم وأبی بصیر وغیرهم، وجعل رسول الله((صلى الله علیه وآله)) القضاء فی بعض أصحابه مع حضور أمیر المؤمنین((علیه السلام)) الذی هو أقضاهم. قال فی الدروس: «لو حضر الامام فی بقعة وتحُوکِمَ إلیه فله ردّ الحکم إلى غیره إجماعاً».
    على انّه لم نتحقّق الاجماع عن المحقق الثانی، وإجماع المرتضى مبنیّ على مسألة تقلید المفضول الإمامة العظمى مع وجود الأفضل.
    وأخیراً یقول: «فیجوز حینئذ نصبه والترافع إلیه وتقلیده مع العلم بالخلاف وعدمه»(15).
    ویقول المرحوم الحر العاملی وهو أخباری فی معرض ردّه على الاصولیین: «انّه أی القول بالتقلید یستلزم وجوب معرفة المقلِّد، بأن الذی یقلده مجتهدٌ مطلق ولا سبیل له إلى ذلک کما لا یخفى، فیلزم تکلیفه بما لا یطیق، وکذلک تکلیفه بمعرفة الأعلم بین المجتهدین مع التعدد»(16).
    یقول صاحب کتاب ولایة الفقیه: «وللقائل بعدم الاعتبار (للأعلمیة) ان یستدل باستقرار السیرة فی زمان النبیّ((صلى الله علیه وآله)) والأئمة((علیهم السلام)) على الرجوع والإرجاع إلى آحاد الصحابة من غیر لحاظ الأعلمیة مع وضوح اختلافهم فی الفضیلة»(17).
    ویقول الفاضل التونی((رحمه الله)) المتوفى سنة 1021هـ فی الوافیة: «التقلید، وهو قبول قول من یجوز علیه الخطأ(18) من غیر حجّة ولا دلیل، ویعتبر فی المفتی الذی یستفتی منه ـ بعد الشرائط المذکورة ـ على النحو المذکور وان یکون مؤمناً ثقة ولم یتعرض مطلقاً لشرط الاعلمیة»(19).
    ویقول العلاّمة فی القواعد: «ولو کان أحدهم أفضل تَعیَّن الترافع الیه حال الغیبة، وأما حال ظهور الامام((علیه السلام)) فالاقرب جواز العدول... وهکذا حکم التقلید».
    الدلیل الثانی: مما استدلّوا به على وجوب الرجوع إلى الأعلم دلیل الاجماع، وهذا الاستدلال باطل على أیّ نحو فسّرنا الاجماع، فسواء أردنا به اتفاق الآراء، أو أردنا به الاتفاق الکاشف عن رأی المعصوم، فإنه هنا غیر تام، بعد وضوح عدم اتفاق الآراء فیه، بل ربّما یدّعى الاتفاق على عدمه فی بعض العصور وکذلک وضوح عدم کشفه عن رأی المعصوم(20).
    الدلیل الثالث: بعض الروایات:
    منها: مقبولة عمر بن حنظلة(21)، الدالّة على تقدیم حکم الأفقه، ولکنّها واردة فی مقام القضاء لا الفتوى.
    ومنها: ما جاء فی عهد الامام علی((علیه السلام)) لمالک الأشتر: «اختر للحکم بین الناس أفضل رعیتک»(22) وهی أیضاً فی باب القضاء.
    ومنها: ما فی کتاب الاختصاص من قوله] (صلى الله علیه وآله) [ : «إنّ الرئاسة لا تصلح إلاّ لأهلها، فمن دعا الناس الى نفسه وفیهم من هو أعلم منه لم ینظر الله إلیه یوم القیامة»(23).
    ولکنها مرسلة، بالاضافة إلى انّها تتحدث عن مجال الولایة والحکومة.
    ومنها، ما جاء عن الامام محمد بن علی الجواد((علیه السلام)) من قوله لعمّه: «یا عم، أنّه لعظیم عند الله أن تقف غداً بین یدیه، فیقول لک: لِمَ تفتی عبادی بما لم تعلم وفی الأمّة من هو أعلم منک؟»(24). وهی مرسلة، لا یحتجّ بها، بالاضافة إلى ترکیزها على عدم علم المفتی.
    والدلیل الرابع، انّ فتوى الأعلم أقرب إلى الواقع فلا مناص من الأخذ بها. وأجاب عنها السید الخوئی((رضی الله عنه)) بأنّ الأقربیة إن أرید منها انّ فتواه بالفعل أقرب فهذا لا نسلّمه، وإن أرید انّ من شأن فتاواه أن تکون أقرب قلنا إنّ الأقربیة الطبیعیة لم تجعل ملاکاً للتقلید ولا لوجوبه.
    الدلیل الخامس، هو الرجوع إلى الأصل العقلی فی مسألة دوران الأمر بین التعیین والتخییر ـ بین الأعلم وغیره ـ ولکن بعد أن تمّ لدینا الدلیل الاجتهادی (السیرة)، فإنّه لیس هناک مجال للرجوع إلى الأصل العقلی فی مسألة دوران الأمر بین التعیین والتخییر، باعتبار ما له من رتبة متأخرة. والغریب أنّ البعض من العلماء رجعوا إلیه مباشرةً وقبل مناقشة أی من الأدلة الاجتهادیة المدّعاة، على انّ فی کون إنتاج هذا الأصل هو التعیین ـ للأعلم مثلاً ـ کلاماً لا مجال للتفصیل فیه(25).
    المصدر :

    من کتاب نظرات حول الشیعة للشیخ التسخیری
    1- سورة التوبة، الآیة 122.

    2- کفایة الاصول، ج2 ص359.
    3- التنقیح فی شرح العروة الوثقى الاجتهاد والتقلید، ص30.
    4- القوانین المحکمة، ج2، ص163.
    5- الاصول العامة للفقه المقارن، ص659 ، نقلاً عن احکام الاحکام للآمدی، ج3، ص173.
    6- یقول صاحب المعالم ابن الشهید الثانی ص388: «وان کان بعضهم أرجح فی العلم والعدالة من بعض تعیّن علیه تقلیده، وهو قول الأصحاب الذین وصل إلینا کلامهم، وحجّتهم علیه: انّ الثقة بقول الأعلم أقرب وأوکد، ویحکى عن بعض الناس القول التخییر».
    7- المستصفى، ج2، ص125.
    8- عمدة التحقیق، ص54 .
    9- مستمسک العروة الوثقى، ج1، ص26.
    10- وسائل الشیعة ج18، ص4، الحدیث الخامس، وکذلک من لا یحضره الفیه، ج3، ص2، الحدیث الأول.
    11- منتهى الوصول، ص399.
    12- التنقیح، کتاب الاجتهاد والتقلید تقریرات الغروی، ص142.
    13- یطرح الامام الخمینی((رضی الله عنه)) کما فی (تهذیب الاصول) ج2، ص550 هذه الفکرة فیقول: «ثمّ ینبغی البحث عن بناء العقلاء فی تقدیم رأی الأعلم بالمخالفة إجمالاً أو تفصیلاً، هل هو على نحو اللزوم أو من باب حسن الاحتیاط؟ لا یبعد الثانی، لکون الرأیین واجدین للملاک وشرائط الحجیّة والأماریة». ولکنّه یعود فیناقش ما طرحه، باعتبار انّ أمر الشرع عظیم لا یُتسامح فیه.
    14- وتشهد لذلک روایات کثیرة یُرجِع فیها الامام((علیه السلام)) إلى محمد بن مسلم الثقفی، وأبی بصیر، ویونس بن عبدالرحمن، ومعاذ بن مسلم وأمثالهم دونما ملاحظة لهذا الشرط، ولا معنى للقول بأنّ الامام کان یعلم انّهم لا یختلفون فی الفتوى، بل یمکن ادّعاء الیقین باختلافهم جریاً على طبیعة الحال.
    15- جواهر الکلام، ج40، ص46.
    16- الفوائد الطوسیة للشیخ الحر العاملی، ص411.
    17- ولایة الفقیه، ج2، ص179، ورغم انّه یتحدث فی باب القضاء إلاّ انّ عبارته، کعبارة صاحب الجواهر، تشمل باب الفتوى أیضاً وان کانت عبارة صاحب الجواهر أصرح، وهی تؤکّد على حالة العلم بالخلاف أیضاً.
    18- لإخراج المعصوم، وهذا التعریف هو ما نصّ علیه الغزالی فی المستصفى، ج2، ص387.
    19- الوافیة، ص399، ط قم.
    20- والمتتبع لآراء العلماء لا یستطیع اکتشاف الاجماع منها، فقد ذکرنا انّ جماعة ممن تأخّر عن الشهید الثانی أنکروا اشتراط الأعلمیة وحتّى السید المرتضى الذی نُسب إلیه القول بإجماع الشیعة على اشتراط الأعلمیة نجده یؤکّد على الأعلمیة فی البلد فی حین لا نجد ذکراً للاجماع لدى الشیخ الطوسی وابن زهرة والمحقّق الحلی والعلاّمة الحلی والشهید الاول، کما انّ الذین جاءوا بعد المحقّق الثانی، الذی نقل الاجماع، لم ینقلوا مثل هذا الاجماع کالشهید الثانی فی المسالک والملاّ المازندرانی، وصاحب المعالم، والشیخ البهائی والمیرداماد وغیرهم، راجع المقال الجید الذی کتبه الشیخ الذاکری فی مجلة «الحوزة» الصادرة من الحوزة العلمیة بقم، العددان 56 و57).
    21- وسائل الشیعة، الباب9 من أبواب صفات القاضی.
    22- نهج البلاغة، ج4، ص30، طبعة بیروت.
    23- بحار الانوار، ج2، ص110.
    24- التنقیح ص147.
    25- تراجع بحوث المرحوم الشهید الصدر فی کتابه (دروس فی علم الاصول) الحلقة الثالثة الجزء الاول ص185 ـ 187.

    rasekhoon.net  
    الاسم :
    اللقب :
    E-Mail :
     
    OpinionText :
    AvrRate :
    %0
    عدد المشارکین :
    0
    امتیاز شما :

    إتصل بنا| خريطة الموقع| التعريف مرکز الدراسات الشیعه |