مرکز مطالعات شيعه
ArticleID PicAddress Subject Date
{ArticleID}
{Header}
{Subject}

{Comment}

 {StringDate}
Monday 18 November 2019 - الإثنين 21 ربيع الأول 1441 - دوشنبه 27 8 1398
 
 
 
 
 
 
 
  • الامام والمرجع  
  • 1438-02-27 18:32:21  
  • المشاهدون : 43   
  • ارسل الى صديق
  •  
  •  
  • الامام والمرجع
    إنّ مسألة الإمامة - سواء اعتبرناها من الأصول أم من الفروع - لها أهميتها الخاصة عند كل من مدرسة الخلفاء ومدرسة أهل البيت عليهم السلام. وإننا لنجد حديثاً عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تتفق عليه المدرستان، وإن اختلفت فيه العبائر ولكنّ مضمونه واحدٌ، فترويه مدرسة أهل البيت عليهم السلام بصيغة: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً الجاهلية)(1)، وفي مصادر مدرسة الخلفاء بصيغة (من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية)(2)، وفي صياغة أخرى (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)(3) وثالثة (من مات ولا إمام له مات ميتة جاهلية)(4).
    والملاحظ في هذه الرواية هو اللغة الشديدة التي تعكس مدى اهتمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمسألة الإمامة. والجميع متّفق على أن الحديث يبرز أهميّة الإمامة. نعم قد اختلفت التفاسير باختلاف النظر في الإمامة.
    إن كلمة الإمام بمدلولها اللغوي لا تحمل أيّ مفهوم مقدّس، لأن الإمام في اللغة هو الشخص المتَّبَع والمقتدى به، سواء أكان قدوة الناس في طريق الخير أم في طريق الشر، وسواء أقاد الناس نحو الهدى أم باتجاه الضلال. ولذا نجد القرآن الكريم يطلق كلمة الإمام على كلا النحوين، فقال تعالى في أئمة الهدى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾(5) وفي شأن أئمة الضلال قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾(6).
    وما يهمّنا هنا هو البحث عن مفهوم الإمامة اصطلاح، وهو الذي تختلف في تفسيره مدرسة أهل البيت عليهم السلام عن الفرق الأخرى، فالخلاف القائم إنما هو في تحديد المصطلح لمفهوم الإمامة. لذا لا يصح أن نصوّر الإختلاف بين مدرسة أهل البيت عليهم السلام والمدارس الأخرى في خصوص شخص الإمام، لأن الإختلاف في مفهوم الإمامة وما يتضمنه هذا المفهوم، رغم وجود جهات إشتراك تتضمنها الإمامة، كالإيمان بأنها رئاسة المجتمع أو الرئاسة العامة. ولتوضيح هذا الإختلاف لا بدّ من تحديد وظائف النبوّة وخصوصيات النبي لننتقل منها إلى تعريف مفهوم الإمامة، لأن الإمام هو القائد الذي يحمل مسؤولية الدين بعد النبي، فهل له كل أو بعض ما كان للنبي من شؤون ووظائف؟
    شؤون ووظائف النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم:
    لقد كان للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بما حكاه القرآن وبما حكته السيرة شؤون ووظائف متعددة، فقد كان ينهض بأعباء متعددة في وقتٍ واحدٍ، ويمكن تقسيمها إلى ثلاث وظائف:
    أول، النبوّة: قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾(7). وهنا يكون كلام النبيّ وحياً إلهي، ووظيفة النبيّ فيه التبليغ.
    ثاني، القضاء: قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾(8). وهنا يمارس النبيّ عمليّة تطبيق للموازين الإسلامية في القضاء دون تدخّل إلهيّ، أي إنّ النبيّ عندما يقضي بين إثنين إنما يقضي بينهما بما لديهما من حجة واثبات للحقّ كالبيّنة ونحوها.
    ثالث، الرئاسة العامة: فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قائد المسلمين ورئيسهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾(9). وهنا تكون الأوامر النبوية غير الوحي الإلهي. وفي هذه الدائرة كان النبي يشاور أصحابه، فيسألهم عمّا يرونه ثم يأمرهم بما هو يراه. وهنا لا يكون ما يصدره النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الله مباشرة، بل تصدر هذه الأوامر طبق الصلاحية التي أعطاها الله للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كحاكمٍ وقائدٍ للأمة الإسلامية، لذلك تكون واجبة الطاعة.
    وإذا شوهد في تاريخ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بعض أنواع التدخل الغيبّي، ولكن ذلك لا يشكّل قاعدةً عامةً وإنما هو استثناء.
    مراتب الإمامة
    بعد أن اتضحت وظائف النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ننقل الكلام إلى الإمامة لنشرح مراتبها بالنظر إلى كونها استمراراً لوظائف النبوّة، وبالتالي يكون للإمامة أيضاً مراتب ثلاث، وقع الإختلاف في بعضه، ومن خلال توضيحها يظهر محل النزاع بين الفرق الإسلامية.
    الأولى: الرئاسة العامة:
    فكما أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هو القائد والحاكم في المجتمع الإسلامي، كذلك تنتقل القيادة إلى من يأتي بعده صلى الله عليه وآله وسلم. وهذه المسألة محلّ اتفاق بين الفريقين (مدرسة أهل البيت عليهم السلام ومدرسة الخلفاء)، فالفريقان يتفقان على أصل الإمامة بهذه المرتبة، ولكن الإختلاف في شكل هذه المرتبة، وأنها بالتعيين والنص أو لا.
    لو كان يقتصر مفهوم الإمامة عند مدرسة أهل البيت عليهم السلام على هذه المرتبة، ولم يكن لديهم إيمان بالمراتب الأخرى للإمامة، لكانت الإمامة عندهم من فروع الدين لا من أصوله، إلا أنّ مدرسة أهل البيت عليهم السلام تعتقد بأن للإمام مرتبتين أخريين، لذلك لا ترى هذه المدرسة أنّ علياً هو المتقدم أو الأفضل من بين أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقط، بل ترى له مرتبتين لا يشاركه فيهما أحدٌ من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
    الثانية: المرجعيّة الدينيّة:
    إنّ من وظائف النبيّ التي تقدّم ذكرها وظيفة بيان الأحكام الإلهية (النبوّة). ولكنّ حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم المحدودة بزمن معيّن، والظروف المحيطة به، قد منعت من أن يكون ما بلّغه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لعامة المسلمين شاملاً لجميع أحكام الإسلام، ولذا كان الأسلوب الأمثل هو قيام النبيّ بتعليم شخصٍ وتلقينه هذه الأحكام، ليقوم بعد وفاته بإكمال وظيفة تبليغ الأحكام الإلهية.
    وتعتقد مدرسة أهل البيت عليهم السلام أنّ عليّاً عليه السلام كان هو ذلك الشخص الذي قام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بتعليمه أحكام الإسلام، وأصبح هو العالِم الإستثنائي المتقدِّم على أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وكان علمه هو العلم المعصوم، أي أنه لا يشتبه في قولٍ ولا حكم. وهذا التعليم لم يكن بالطريقة المتعارفة، بل لذلك طريق غيبي إلهي. وهذه المعرفة انتقلت من الإمام عليه السلام إلى الأئمة من بعده.
    الثالثة: الإمامة بمعنى الولاية:
    تشكّل هذه المرتبة الذروة في مفهوم الإمامة، وتشمل كل ما قبلها من مراتب وتزيد عليه، أي إنّ الاعتقاد بأنّ الإمام عليه السلام هو الإنسان الكامل وهو حجة العصر، هذا الإنسان لا بدّ من وجوده في كلّ عصر، ولولاه لساخت الأرض بأهله، ولهذا الإنسان مقاماتٌ ودرجاتٌ عالية. وقد اعتبرت مدرسة أهل البيت عليهم السلام أنّ هذه المرتبة ثابتة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وللأئمة عليهم السلام من بعده، وأنه لا بد في كلّ عصر من وليٍّ كاملٍ وله مقاماتٌ بعيدةٌ عن تصوّرنا. وأما سائر المسلمين- عدا الوهابية- فلا يعتقدون بثبوت هذه المرتبة سوى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. وسنذكر بعض فروع هذه المرتبة في آخر البحث إن شاء الله تعالى.
    هذه هي المراتب الثلاث للإمامة. وقد انقسم الشيعة في هذه المراتب إلى ثلاثة أقوال، فبعضٌ يعتقد بأن الإمامة هي بمعنى القيادة والرئاسة العامة فقط أي المرتبة الأولى، وبعضٌ آخر يعتقد بأنها مرجعية دينية أيضاً أي بالمرتبة الثانية للإمامة، ولكنّ أكثر الشيعة يعتقدون بأنّها ولاية كاملة، أي المرتبة الثالثة التي تشمل كلّ مراتب الإمامة.
    الطرح البسيط لمسألة الإمامة
    إننا إذا اختزلنا الإمامة وقدّمناها بمرتبة الحكومة والرئاسة العامة، فسوف يتفرّع على ذلك أسئلة مختلفة منها:
    - هل ينبغي أن يكون الشخص الذي يتولى الحكومة هو الأفضل من جميع الجهات واقعاً؟ أو أنه تكفي الأفضلية النسبية؟
    - هل من الضروري أن يكون معصوماً؟
    - هل ينبغي أن يكون هو المرجع في الفقه والأحكام، أم يكفي أن يرجع إلى الآخرين في المسائل التي يبتلى بها؟
    نتائج الطرح البسيط:
    إنّ بناء البحث في مسألة الإمامة بهذا النحو سوف يسير بالبحث بإتجاه آخر، وتترتب على ذلك نتائج، منها:
    أولاً: إنّنا إن اعتبرنا الإمامة بمعنى الحكومة والرئاسة العامة فقط، وتبنّينا نظرية النصّ، فهذا يعني أنه لا ضرورة لأن يكون تعيين النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام من قِبَلِ السماء، وعن طريق الوحي، بل يمكنه أن يقوم بتعيينه بما يراه هو وبما يؤدي إليه نظره، وكذلك الأئمة عليهم السلام من بعده، فيقوم كلّ إمام بتعيين من يليه، فلا ضرورة لأن يكون التعيين وحياً من السماء.
    وبعبارة أخرى إننا لن نعود بحاجةٍ إلى النصب الإلهي، بل يكفينا النصب النبوي أو من قِبَل الولي. إذ، يكفي أن يبلّغ الوحيُ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ضرورة تعيين خليفةٍ من بعده كي يقوم النبيّ بهذه المهمّة، دون أن ينصّ الوحي على شخصٍ معيّن.
    ثانياً: وسوف لن يكون الأمر مختصاً بالأئمة الإثني عشر عليهم السلام، بل سيعمّ كلّ عصرٍ ومصرٍ، لأنّ القاعدة العامة أو قل إن الرؤية الإسلامية العامة لن تختصّ بصورة كون الدولة الإسلامية صغيرة الحجم، بل حتى لو اتسعت الدولة الإسلامية فأصبحت تشمل ملايين المسلمين، سوف يقوم كلّ إمامٍ بتعيين من بعده بما يراه مناسباً.
    ثالثاً: إنّ قضية تعيين عليٍّ عليه السلام من بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومسألة الخلافة والإمامة سوف تنزل إلى مستوى إداري خاص، يتمّ تعيينه كتعيين أيّ والٍ على مكة أو غيره، ويكون ذلك شأناً من شؤون النبي صلى الله عليه وآله وسلم بصفته الحاكم بين المسلمين، ولا ترقى الإمامة إلى أي مستوى رفيع تقول به مدرسة أهل البيت عليهم السلام.
    رابعاً: إنّ مسألة الخلافة والإمامة إذا طرحت بهذا الشكل فسوف تكون نظرية مدرسة الخلفاء- التي ترى أنّ أمر تعيين الحاكم هو بيد الأمة أو بيد أهل الحلّ والعقد، وليس من حق الحاكم تعيين الذي يليه- أكثرَ جاذبيّةً من نظريّةِ النصّ عند مدرسة أهل البيت عليهم السلام، لأنها سوف تعطي الأمة دوراً في شأن إداري يهمّها وهو انتخاب الإمام الحاكم الذي يسوس أمورها.
    هذه هي الأسئلة والنتائج التي سوف تتفرّع وتترتب على الطرح البسيط للمسألة وحصرها بالحكومة، وبالتالي جعلها أمراً إدارياً هامشياً ضيق، كما وقع في هذا الخطأ بعض القدماء من المتكلمين.
    الطرح الصحيح لمسألة الإمامة
    هل تقع مهمّة بيان الأحكام الإلهية وتعاليم السماء بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على شخصٍ واحد، بنحو يكون ما يجيب به هو الصواب والحقيقة، دون أيّ احتمال للخطأ والهوى، ويكون مثل هذا الشخص مرجعاً لأحكام الدين كما كان النبيّ مرجعاً لذلك؟ أو أن الأمر ليس كذلك وليس لدينا مثل هذا الشخص؟ ونلاحظ أن السؤال قد انصبّ على المرتبة الثانية للإمامة، وهي المرجعية الدينية، فهل نقول بها للإمام من بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو أنّ الوصاية كانت إدارية صرفة؟
    فهذه المرتبة هي محلّ النزاع، وبها تختلف مدرسة الخلفاء عن مدرسة أهل البيت عليهم السلام، فلا تعتقد بمثل هذا المنصب لأيّ شخصٍ على الإطلاق، ولا تراها لا لعلي عليه السلام ولا لغيره.
    فالخلاف ليس في أيّ شخصٍ له مثل هذا الأمر، وإنما في أصل وجود مثل هذا الشخص. والذي يشهد لهذا الأمر نقلهم للأخطاء عن مثل أبي بكرٍ وعمر، والعبائر الصادرة عن كلٍّ منهما - كقول أبي بكر: (أيّها الناس، إنّي ولّيتكم ولستُ بخيركم، فإن أحسنتُ فأعينوني، وإن أخطأتُ فقوّموني، إنّ لي شيطانا يعتريني...)(10). وقول عمر بعد أن أظهرت امرأةٌ خطأه في مسألة صداق النساء: (كلّ الناس أفقه من عمر حتى ربّات الحجال، ألا تعجبون من إمام أخطأ ومن امرأة أصابت، فاضلتْ إمامكم ففضلته؟) (11)، ممّا يدل بوضوح على عدم عصمتهم، وبالتالي على عدم كونهما مرجعية بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
    الحاجة إلى المرجعيّة الدينيّة
    لقد نزل الإسلامُ على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كاملاً تاماً. وقد تلقى صلى الله عليه وآله وسلم جميع ما يحتاج إليه الناس من تعاليم دينهم وأحكام شرعهم. ولكن السؤال هو أنّ ما بلّغه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين هل هو كلّ ما نزل إليه، أو أن قسماً كبيراً منه لم يبيّنه للناس، لأنه متوقف على حلول أوانه، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم بلّغها لعلي عليه السلام ليقوم ببيانها للناس متى دعت الحاجة إلى ذلك؟
    ولعلّ الجواب يظهر بعد ملاحظة النقاط التالية:
    الأولى: ملاحظة ما يتضمنه القرآن الكريم من أحكام، حيث نجد أنّ ما ورد فيه ليس سوى أحكامٍ مختصرةٍ جد، مضافاً إلى كونها كليّات مثل فريضة الصلاة والحج اللذين لم يرد في القرآن تفاصيل إقامتهما وكيفية أدائهما.
    الثانية: ملاحظة سنّة النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وما ورد خلالها من أحكام، فإنّها مختصرةٌ مجملةٌ أيض، لا سيما بملاحظة الفترة التي عاشها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، والمشكلات التي عاشها سواء في مكة، والتي استمرت ثلاثة عشر عاماً في ظلّ ضغطٍ وحصارٍ، أم في المدينة وفي ظلّ حروب ومعارك.
    الثالثة: حتى إن غضضنا النظر عن ظروف النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفرضنا أنّه صلى الله عليه وآله وسلم كان كالمعلّم الذي يذهب إلى المدرسة كلّ يوم لتعليم الناس، فإنّ هذا الوقت لن يكون كافياً لبيان جميع ما وصله من رسالة الإسلام، لا سيما بملاحظة أنّ الإسلام دين يبسط حاكميّته على جميع شؤون البشر.
    الرابعة: ضياع كثير من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذلك بسبب أمر تاريخيّ ثابت، وهو ما قام به عمر بن الخطاب من المنع من تدوين الحديث. ولو أردنا أن لا نلحظ هذه الواقعة التاريخية من منظار مدرسة الأئمة عليهم السلام وتجرّدنا عن ذلك، أمكننا القول بأن سبب المنع هذا هو اعتبار القرآن المرجع الوحيد (حسبنا كتاب الله). وقد بقي هذا المنع مستمراً إلى عهد عمر بن عبد العزيز، أي إلى حدود سنة 99 هجرية.
    الخامسة: كثيراً ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبيّن الأحكام عندما تستجد، وليس قبل أوانها. ومن المسلّم أن هناك مسائل كبيرة وصغيرة سوف تستجد وتطرأ على الأمة بعد غياب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهل الإسلام ناقص لم يبيّنها أم أنه ترك بيانها للإمام من بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟
    بعد ملاحظة هذه النقاط يظهر بوضوح فرضية كلا المدرستين ومستلزماتهما:
    أمّا فرضية مدرسة الخلفاء: فترى انقطاع البيان الواقعي للدين بوفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.ولا يوجد لدينا بيانٌ منزّه عن الخطأ والإشتباه، ولا شيء وراء ما ورد عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وليس لأي شخص بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم منصب المرجعية الدينية. لذلك واجهت مشكلة المسائل المستجدة، فهي تعتمد فقط على القرآن والسنّة، وهما غير كافيين في ذلك، وخصوصاً بعد غياب كثير من أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكانت النتيجة هي الإعتماد على القياس، أي الإعتماد على مواطن التشابه بين ما ورد في الكتاب والسنّة وبين ما لم يرد فيهم، وكان الإعتماد على القياس يتّسع كلما اتسع العالم الإسلامي واتسعت المسائل الجديدة - نعم لم يعتمد جميع أتباع مدرسة الخلفاء على القياس، فقد أنكره أحمد بن حنبل ولم يمارسه مالك بن أنس. ولكن ما حصل مع أبي حنيفة هو أنه فتح الباب واسعاً أمام القياس، وقلّ اعتماده على الروايات، بل قيل إنه لم يعمل سوى بـ 15 حديث، وأما الشافعي فقد استخدم السنّة كما استخدم القياس.
    أما فرضيّة مدرسة أهل البيت عليهم السلام التي أثبتت المرجعية الدينية للإمام علي عليه السلام وللأئمة من بعده، فهي تستمد أحكامها منهم كما كانت تستمدها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لذلك لم تضطرّ للجوء إلى القياس، وتعتبر أن كل الأحكام قد بيّنها الأئمة عليهم السلام بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولذلك وقفت من القياس موقف المنكر له أشد النكير. وروايات هذه المدرسة تضرب جذوره من الأساس، إذ إنّ الحاجة إلى القياس إنما تنشأ من الاعتقاد بعدم كفاية الكتاب والسنّة، ولدى مدرسة أهل البيت عليهم السلام ما يكفي لحلّ جميع ما يستجدّ من مسائل، سواء عبر اللجوء إلى السنّة مباشرةً أم من خلال الأئمة عليهم السلام، والله عز وجل لم ينزل ديناً ناقصاً إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وأنّ النبيّ بلّغه كامل، ولكن الصيغة الكاملة من الأحكام لم يبلّغها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعامة الناس، وإنما خصّ بها الإمام علياً عليه السلام والأئمة من بعده وأمرهم ببيانها للناس. ويتفرّع على هذا الاعتقاد:
    القول بالعصمة لدى مدرسة أهل البيت عليهم السلام
    فإنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم المبلّغ للأحكام الإلهية لا يمكن أن يخطئ في قوله، ولا يجوز في حقّه الإشتباه، بل هو مسدّدٌ من قِبَلِ الله، فكذلك ينبغي لوصيّه وخليفته في تبيين الأحكام.
    وإذا كان للإمام منصب المرجعية الدينية، فضلاً عن القيادة والحاكمية، ويتمّ تنصيبه من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهو معصوم عن الخطأ والإشتباه. وعليه لا معنى للبحث عن نظام الحكم في الإسلام هل هو إنتخاب أو شورى مع وجود الإمام، كما لم يكن معنى له في النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا معنى للبحث عن اشتباهه وخطئه وما شابه ذلك.
    علم الإمام عليه السلام ليس بالوحي
    تتبنى مدرسة أهل البيت عليهم السلام القول بأنّ النبي أوصى ونصّب إماماً من بعده وهو علي عليه السلام، ويقوم بتبيان أحكام الدين وتعاليم السماء كالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا مجال للإشتباه والخطأ في حقّه، مع فارقٍ هو أن ما يصدر عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان يصدر بمباشرة الوحي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأما ما يصدر عن علي عليه السلام فهو يستند إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، عبر ما تلقّاه منه صلى الله عليه وآله وسلم.
    ونحن نجهل كيف حصل هذا الأمر، كما نجهل كيف كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يتلقى الوحي الإلهي. وقد ورد عن الإمام علي عليه السلام قوله: (علّمني رسول الله ألف باب من العلم، ينفتح لي من كلّ بابٍ ألف باب)، كما يتحدث في خطبة له في نهج البلاغة عن الارتباط الوثيق بينه وبين النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حيث يقول عليه السلام: (ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت يا رسول الله ما هذه الرنّة؟ فقال هذا الشيطان أيس من عبادته. إنّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلا أنّك لست بنبي، ولكنك وزير وإنّك لعلى خير)(12)
    المصادر :
    1- وسائل الشيعة، ج 16 ص 246، باب 33 من أبواب الأمر بالمعروف، ط مؤسسة آل البيت.

    2- كنز العمال، ج 1 ص 103، مؤسسة الرسالة.
    3- صحيح مسلم، ج6 ص 22، دار الفكر.
    4- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي، ج 13 ص 242، دار إحياء الكتب العربية.
    5- الأنبياء: 73.
    6- 8- القصص: 41.
    7- الحشر: 7.
    8- النساء: 65.
    9- النساء: 59.
    10- الإمامة والسياسة، ابن قتيبة، ج 1 ص 2
    11- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 3 ص 113
    12- نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام ، خطبة 192.

    rasekhoon.net  
    الاسم :
    اللقب :
    E-Mail :
     
    OpinionText :
    AvrRate :
    %0
    عدد المشارکین :
    0
    امتیاز شما :

    إتصل بنا| خريطة الموقع| التعريف مرکز الدراسات الشیعه |